الشيخ محمد النهاوندي
366
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
« عليك بالصّبر في جميع أمورك ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ بعث محمّدا صلّى اللّه عليه وآله فأمره بالصّبر والرّفق » الخبر « 1 » . وعنه عليه السّلام في رواية : « فمن صبر كرها ولم يشك إلى الخلق ولم يجزع بهتك ستره فهو من العام ، ونصيبه ما قال اللّه تعالى : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ » الخبر « 2 » . في أنّ البلاء والمصيبة من ألطاف اللّه بالمؤمن ثمّ اعلم أنّ الآية صريحة في أنّ البلاء والرّخاء والنعمة والشّدّة كلّها من اللّه ، وأنّ البلاء والمصيبة من ألطافه تعالى بالمؤمن ؛ لأنّه مقدّمة للصّبر الذي هو من أفاضل الصّفات وأكمل الخصال والملكات للنّفس . روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر ، فإذا صبر المؤمن عند نزول الشّدائد كان له درجات » الخبر « 3 » . نعم ، قد يكون كفّارة للسّيئات كما روي عن ( النهج ) « أنّ اللّه يبتلي عباده عند الأعمال السّيئة بنقص الثمرات ، وحبس البركات ، وإغلاق خزائن الخيرات ؛ ليتوب تائب ، ويقلع مقلع ، ويتذكّر متذكّر ، ويزدجر مزدجر » « 4 » . في بيان وجه أفضلية الصبر على الطاعة من الصبر على البلاء ثمّ أنّه روي : « أنّ الصّبر على الطّاعة من عمل الواجبات وترك المحرّمات أفضل من الصّبر على البلاء » « 5 » ، لوضوح أنّه متوقّف على قوّة الإيمان وشدّة اليقين ، حيث إنّ الانسان العاقل البالغ المكلّف له قوّة شهويّة تدعوه إلى اللذّات النفسانيّة العاجلة والاشتغال بها ، وقوّة عاقلة تدعوه إلى اللذّات الرّوحانيّة الباقية ، ولو كانت آجلة ، والتجنّب عمّا يصدّ عنها ، فإذا عرف العقل أنّ الاشتغال بطلب اللذّات الفانية يمنعه عن الوصول إلى اللذّات الباقية تكون هذه المعرفة صادّة ومانعة لداعية الشّهوة ، فيسمّى ذلك المنع والصّدّ صبرا . نقل كلام الفخر الرازي وتزييفه ثمّ من العجائب ، أنّ قال الفخر الرازي في ( تفسيره ) : إنّ هذه الآية تدلّ على أنّ الغذاء لا يفيد الشّبع ، وشرب الماء لا يفيد الريّ ، بل كلّ ذلك يحصل بما أجرى اللّه العادة به عند هذه الأسباب ؛ لأنّ قوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ صريح في إضافة هذه الأمور إلى اللّه ، انتهى « 6 » .
--> ( 1 ) . الكافي 2 : 71 / 3 ، بحار الأنوار 9 : 202 / 66 . ( 2 ) . مصباح الشريعة : 186 ، تفسير الصافي 1 : 185 . ( 3 ) . تفسير الرازي 4 : 149 ، إلى قوله : شكر . ( 4 ) . نهج البلاغة : 199 الخطبة 143 ، تفسير الصافي 1 : 186 . ( 5 ) . بحار الأنوار 76 : 16 . ( 6 ) . تفسير الرازي 4 : 153 .